الرئيسية > Uncategorized > عفواً دمشق

عفواً دمشق

لا تزال مدينة دمشق  والتي تصنف أقدم مدينة استمرت فيها الحياة بدون  انقطاع منذ فجر التاريخ إلى اليوم ، لمدينة دمشق طابع خاص  ويعشقها كل من عرفها ولو لسويعات قليلة ، وكنت قد قرأت على صفحات الزميلة ميساء السمهوري هذه الخاطرة التي ما إن وصلت إلى منتصفها إلا وكانت الدموع تنهمر من عيني شوقا لتلك المدينة الرائعة  التي تتعرض  في هذه الأيام إلى  هجوم  عشوائي  ترك جروحا عميقة على جدرانها وعلى حاراتها القديمة وعلى نسيجها العمراني ، اترككم من هذه الخاطرة والصور الجميلة أيضا وهي  من تصوير الزميلة ميساء السمهوري :

Maisa Samhoury on Wednesday, January 13, 2010 at 12:23pm

عفواَ دمشق عفوك حبيبتي..

أترجّى عفوك..

اسمحي عني فوَحقُكِ قد تُبْتُ..

سامحيني إذ حين غادرتك ذات خيبة، وديْن، وفاقة، وألم.. لم أتلفتْ إلى الخلف..

سامحيني إذ تنفست الصعداء حين وطِئْتُ متن الطائرة للمرة الأولى في فراقك منذ أربع عشرة سنة..

واستقبلت هذا البلد بلهفة المحروم..

سامحيني إذ غشيَتْ عيناي..

فظننت الشوارع المنسقة.. “جمالاً”..

والورود المؤطِرَةَ للأرصفة.. “طبيعة”..

والنظام في السير.. “أخلاقاً”..

والأسواق العامرة بالبضائع.. “خيراً”..

والنظافة في كل شيء..”صحة”..

والاحترام والكرامة في التعامل في كل مكان.. “مُواطَنة” أو “إنسانية”

والفاكهة والخضار المنوعة بأكثر من قدرة الإنسان على التعداد، أو التذوق، أو التذكر.. “وفراً”..

والسيارات الأنيقة، ومواقف السيارات المنظمة.. “رفاهية”…

والحديث بالانجليزية، وابتسام الناس لبعضهم في كل مكان.. “رقياً”..

والأبنية اللامعة، وورشات البناء الحديثة المنظمة.. “تطوراً”..

والشوارع المخططة، والمنسقة، والمنظمة.. “مدنية”..

والمطاعم والفنادق المخدومة، والخدمات المتوفرة في كل مكان.. “دلالاً”..

والأمانة في تعامل البشر، ولطف رجال الشرطة، واحترام حقوق المرء حيث يتحول.. “أماناً”

والحدائق المترامية، والسطوح الخضراء، وكل ما تقع عليه العين من معالم المدينة المشغولة.. معالم

.”مدينة”.. دمشق.

أشتاق القيم الحقيقية.. أشتاق المعالم الحقيقية..

أشتاق آثار الأجيال في تاريخنا..

وأشتاق أزقتك حتى المرض..

أستبدل كل هذه الصور المصنوعة بأطروفة رصيف مهترئة من أقدم شوارعك..

لأنها أطروفة ذات تاريخ حقيقيّ، كل ذرة من شوارعك ذات ذاكرة.. فوق كل بقعة منها، لي أنا ولمئات الآلاف من البشر والأجيال قبلي..ذكرى..

قاسيون، من ساحة الشهبندر

دمشق..

هنا، وبعد أربع عشرة سنة، أنا غريبة.. لا أشتهي الخروج من البيت إلى حيث كل شيء مصنوع..

أقود سيارتي في الشوارع وكأنني أخترق رسماً لمنظور مدينة، صممت في أحد المكاتب المعمارية…

أدخل الأسواق، فلا أشعر إلا بالتعفف عنها.. حيث المظاهر تسيطر على كل شيء فتقتله.. والبطر لا يفتأ يذكرني بمدن عربية يجتاحها الجوع والعوز..

ومدن دمرتها الحروب، والكوارث الطبيعية.. بقايا ومخلفات الفائض عن الحاجة في كل شيء؛ الأثاث المنزلي، الأدوات الكهربائية والإلكترونية، العلب والأكياس، الأطباق والكؤوس الورقية، السيارات، الملابس، لعب الأطفال، الكتب والأدوات المدرسية، والجامعية، المحارم الورقية، والمطبوعات رفيعة مستوى القرطاسية، والمجلات، والإعلانات.. والورود والزينة المبالغ فيها في كل المناسبات..

والكهرباء والأضواء التي آلت إلى وسيلة للتزيين، بها ترسم اللوحات، وتشكل الزخارف، وتؤطر الأبنية لترسم معالمها ليلاً..

منطق الإنفاق، ومنطق التسوق، ومنطق “الاحتياجات”.. مزيف، كاذب، وجائر.. .. يعيد إلى ذاكرتي بيوت اللاجئين، ومخيمات المساكين، ومخالفات البناء.. ويتداعى للذكرى منظر أحذية وألبسة أبناء الأحياء الشعبية الفقيرة، وألعاب أطفالهم المكسّرة، عندنا، وفي بلدان عربية أخرى.. ولا يبعد ذلك عن ذاكرتي مآس أخرى لشعوب مظلومة أخرى.. بعضها واقع تحت ظلم احتلال، أو كوارث طبيعية، أو طغيان الحاكم، أو شح الموارد الطبيعية واجتياج المرض… كلها صور لا تفارق ضميري وأنا ألاحظ ما حولي من ترف وفائض فتستعصي اللقمة في حلقي، وتغشى عيني عن رؤية أي جمال أو بهاء..

أشتهي الخضار الطازجة، والفاكهة الموسمية.. أشتهي الورود ذات العبق الفواح.. أشتهي الفصول الأربعة.. أشتهي سماء مكفهرة، ورائحة التراب بعد المطر.. أشتهي البرد.. الخريف.. الشتاء.. البلل.. الثلج.. الزهر في حدائق البيوت الصغيرة.. وغوطتك، مرتع الذكريات..

أشتهي “أوكسجيناً” طبيعياً، (ولو كان ملوثاً الآن).. وماء أشربه من الصنبور مباشرة، أو من خرطوم الماء أثناء الشطف وسقاية حديقة أمي… أشتهي المشي في برد الشوارع، واللجوء لبائع الجوارب..لأجل حفنة دفء، تمنحني زاد بضعة خطوات أخرى.. وأشتهي الوقوف على عربة الكستناء، أتظاهر بمجادلة البائع في ثمن الحبات، بينما أمرر كفي فوق النار، أدفء رؤوس أصابعي، وأقترب بأنفي أتظاهر استنشاق الرائحة، لأعيد إليه بعضاً من الإحساس الذي ذهب به الصقيع..

 

من جانب بيت أهلي تماماً.. ما أجمل هذه الغيمة.. تعانق قاسيون.. ليتني فوقها.. أو تحتها.. أو خلالها.. وليتها تهطلني هناك

 

To Dummar Damascus 31/12/2009

أشتهي..

الخوض فوق أرصفة مبللة بالمطر الغزير، أنظر إليها من تحت مظلّة، تسيل من أطرافها مزاريب الماء.. وأنفخ زفيراً في الهواء المشبع بالبخار، لأتظاهر بنفخ دخان سيجارة.. أشتهي.. صقيعاً، يخدّر خديّ.. ثم.. دخولاً مفاجئاً إلى البيت، والتصاقاً بالمدفأة، يثير قشعريرة.. حيث لم يعد للدفء صبر.. ونوم في غرفة الجلوس، من بعد ظهر نهار قصير، بين ودفء وهدوء.. وصوت أزيز إبريق الشاي، فوق المدفأة، يئن مقترباً من الغليان دون أن يصله.. ورائحة صابون الغسيل، تفوح من الغرفة، حيث استدبلت بحبل الغسيل، كل الكراسي والسطوح الخالية..! وقشر برتقال فوق المدفأة، تحترق، وتكاد تشتعل بقاياه، ورائحة قطرات القهوة التي كنا نتعمد تنقيطها فوق سطح مدفأة.. تزعق ألسنة النار في داخلها…

أشتاق منظر طلاب المدارس في الشوارع- مشياً- يتلفحون المعاطف والقفازات، والقبعات.. بينما وجناتهم تشع احمراراً وشقاوة..!

أواه شام… الجمال في داخلك، أم في داخلنا أنت، أأشتاقك، أم أنك تناديني؟؟

دمشق.. لست المسؤولة عن الخيبات التي قذفت بنا عنك..

لكنا (لكني).. أعترف.. قد قضيت عقوبتي، قد كفّرت عن ذنبي.. قد تبتُّ.. تبتُ عن الكفر فيك.. وعرفت، مئة مرة، وأكثر.. أنك أجمل وأحَبّ مدن الدنيا..

وأن كل ما يُقترف فيك من فوضى وظلم، و”قلة حضارة”.. دخيلة عليك.. ولست أنت المسؤولة.. دمشق أنت القِلّة، النخبة من المتميزين!!.. إليك، وإليهم سأعود.. فافتحي لي صدرك، واحتملي بكائي الطويل، وحاجتي للاعتذار!!..

دمشق.. إلى قاسيونك سأعود.. أرمقه يوماً من أسفل، وأصعده فأطلّ عليك من علٍ، يوماً آخر..! إلى ساحاتك المزدحمة سأعود.. وسأغمض عيني عن القذى، سأصم أذني عن أصوات الصاخبين العابثين بصفائك.. سأغالط النفس عن التلوث في جوك.. سأفلتر كل شيء.. فصباحاتك الباكرة تحمل الصلح من كل هذه الشوائب.. ومن تحضنينهم من أبنائك الأصيلين، هم أهلي وأصدقائي الحقيقيين.. سأبحث عنهم، وسأجدهم!!!

شام.. شآم.. أنا آتية إليك.. فأعدي حضنك التاريخي لاستقبالي.. !!!!

المشتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاقة

 

ميساء السمهوري

To Dummar Damascus 31/12/2009

Last sunset in Damascus 2009

Last sunset in Damascus 2009

Maisa Samhoury on Wednesday, January 13, 2010 at 12:23pm

التصنيفات :Uncategorized
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: